الأربعاء , 21 نوفمبر 2018
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » القصة الكامله للجنود المختطفين والشظايا التى أصابت كل الأطراف| بقلم خالد عكاشة

القصة الكامله للجنود المختطفين والشظايا التى أصابت كل الأطراف| بقلم خالد عكاشة

DSC_0399

أطلق سراح الجنود المصريين المختطفين فى سيناء، وانقشع الغبار قليلا مما سمح بقليل من الرؤية فى هذا الميدان الشائك، البدايه فى ليل الأربعاء قبل ساعات من الجريمة تمت فى “ميدان البلدية” الميدان الرئيسى لمدينة العريش العاصمة بوقفة احتجاجية ضمت بعض أعضاء الجماعات المسلحة ، التى أصبح أعضائها يترددون الآن على مدينة العريش بشكل دورى ، واشترك أيضا بعض من عائلات أشخاص محكوم عليهم حضوريا وغيابيا فى قضايا جنائية مطالبين بالإفراج عن المحبوس على ذمة أحكام قضائية والكف عن ملاحقة الصادر ضدهم الأحكام الغيابية، واستكملت تلك الفاعليات بقيام المشاركين بالتوجه إلى الطريق الدولى الساحلى ( العريش ـ رفح ) وقاموا بقطعه عند منطقة الوادى الأخضر وهى نقطة واقعة ما بين الشيخ زويد ورفح، ومر اليوم بفاعلياته التى تقترب من الروتينية فى هذا المكان .

حملت الساعات الأولى من يوم الخميس بلاغا من سيارتين أجرة للقوة الأمنيه الموجودة على الطريق الدولى بإستيقافهم من قبل مجموعة مسلحه واختطاف ( 7جنود ) تحت تهديد السلاح والهروب بهم جنوبا فى المنطقة الصحراوية تقريبا عند نفس نقطة الوادى الأخضر .

وانقلبت على إثر هذا البلاغ شمال سيناء ومن وراءها مصر كلها رأسا على عقب، لم تمتلك الأجهزة الأمنية رفاهية انتظار أول ضوء لبدء التحرك فقد كان المطلوب معلومات كاشفة سريعة توضع على مكاتب القادة فى صباح الخميس، وقد مر نهار الخميس بكاملة يحمل نهرا من المعلومات والقياسات التى تدفقت على القاهرة فى كل الإتجاهات المعنية بالحدث وهو ما وضع بالفعل بداية الخيوط التى حملت مجموعة من المعلومات الأولية للموقف .

الخيط الأهم فى هذا اليوم كان هو التأكد من عدم تورط أى من قبائل أو عائلات سيناء فى هذا الأمر، بل وإصابتهم بصدمة تماثل صدمة الأجهزة الأمنية فى درجة التصعيد التى تمارسه الجماعات المسلحة التى أصبحت تعيش على نفس المكان وتزاحمهم فيه على الأرض، وشكل هذا الخيط هذه الدرجة من الأهمية لأن جميع الأجهزة الأمنية بطبيعة الواقع لا تستطيع التحرك فى قضايا من هذا النوع إن كان طرف المواجهة فيها هى القبائل، وهو ما جعل هذه المعلومة الغالية تحتل رأس جميع التقارير التى طارت إلى القاهرة، واحتلت أيضا مقدمة كل خطط و تصورات الحركة نحو تنفيذ الهدف المطلوب بتحرير الجنود .

قضى الخاطفين يومي الخميس والجمعة فى صمت تام، وقضى الجهاز الأمنى بكل فروعه اليومين بترتيب أوراقه ومعلوماته على الأرض والإنتقال بغرفة عملياته إلى مدينة العريش ، لإدارة أزمة ما ظهر منها يشي بأنها ستحمل طبيعة النفس الطويل، قضت الرئاسة هذان اليومان فى تلقى الخبر الصدمة والتلعثم فى إصدار البيانات وتصحيحها .. وإذا بها تتلقى أول شظايا هذا اللغم ليصيبها مباشرة عندما وجدت نفسها فى محل إتهام بالتدبير أو التنسيق أو فى أخف الصور الترتيب لإستغلال الحدث لأغراضها الشخصية، وقد كانت الشظية بالفعل من النوع التى أصابت الوجه ، فالموقف برمته غير طبيعى أن تدير الرئاسه هذه الأزمة تحت سطوة هذا الإتهام الذى لاحقها من اللحظة الأولى، فمفردات الحادث كلها تدور حول جنود للجيش والشرطة ومن فوقهم اعتبارات الهيبة والسيادة وذاكرة حادث إغتيال جنود رفح مازالت ساخنة فى العقل الجمعى للرأى العام الذى وضع شكوكه كلها فى رقبة الرئاسه وجلس يتابع ويصدر الأحكام التى شابها كثير من التسرع والإشاعات .. وللرأى العام عذره المقبول فكما ذكر كل المفردات تقع فى المستوى الأخطر والأرفع، وتحركت الرئاسة بشظيتها الدامية بأداء دفع التهمة فخرجت الارتباكات تتوالى .

أمضى الجيش اليومين الأولين أمام اختباره الأول والأصعب، عنوان العبث بالسيادة يمسه شخصيا والرصيد الإيجابى الذى ظل يحصده طوال الأشهر السابقة وضع على المحك الصعب فى أعقد العمليات القتالية وهى تحرير الرهائن وبإضافة مسرح عمليات هو الأصعب والأخطر يحتاج الأمر إلى قدر عالى من ثبات الأعصاب، وقد مارست قيادات الصف الأول هذا الثبات بصورة رفيعة .. وضعت آذانها كاملة بجوار أجهزتها المعلوماتيه تستقى منها الوضع والمطلوب لحظة بلحظه، ونقلت ما وصلها بصورة مهنيه إلى مراكز خططها لتخرج بخريطة عمل متشابكه ومعقده للغايه، وهو ما بدا متوازنا وفاعلا فى هذين اليومين وجاهزا تماما دون إرتباك لما تم بعد ذلك .

الطرف الثانى الذى تلقى شظية مباشرة من لغم الحادث كان هو وزير الداخلية ومنظومة قيادته للوزارة، فبعيدا عن كون الجنود من وزارته وأن هذا المسرح وفق الملاحق الأمنيه لمعاهدة كامب ديفيد تحت نطاق سيطرة أجهزته، فإن الظاهر من لحظة الإنفجار الأولى أن الشظية كانت بدلالة كشف الأوضاع .. فوجود الوزير شاحبا وغير فاعل والإلتباس يحيطه كما يحيط الرئاسة والتعامل مع حدث من هذا النوع وهو فاقد تماما للمصداقية خارج الوزارة وداخلها وضعه فى الركن المعتم من الأحداث وبدا الأصغر والقيادات المتوسطه أكثر جاهزية وفعالية من الصف القيادى الذى أصابته بالفعل شظية الوزير فتوارى وإرتبك، وكان نموذج فشله المبكر فى معالجة “فرية أحمد أبوشيته” الذى روج لها الخاطفون عن إنتهاكه وتعذيبه داخل محبسه فلم يكن الأمريحتاج لأكثر من بيان صادق وشافى لوضعه القانونى داخل السجن ووضعه الصحى لنزع المتداول كسبب زائف أو تكميلى لعملية الخطف والأسر .

مساء السبت .. ووفق خطة التحركات المعقدة المعده فى غرفة عمليات القوات المسلحه اتخذ قرار تحرك القوات التى ستكلف بتنفيذ عملية عسكريه بالمكان وتم تحركهم بعد دقائق من إتخاذ القرار بالفعل، فقد استكمل قدر معقول من المعلومات كشفت مسرح العمليات بتفاصيله ، وحددت أماكن وتحركات الخاطفين بصوره تقترب جدا من الواقع وتضع إمكاناتهم وفق المعايير الدقيقه للمواجهه، ومايمكن نقله من تعقيد الخطة أن مسار الوساطات الذى إنطلق فى إتجاهات عديده كان يتم تحت متابعه دقيقه ممن يدير العملية برمتها، والسماح بالتغطية الإعلامية للتحركات العسكريه كانت فى سياق الرسائل الضاغطه على العديد من الأطراف وليس على الخاطفين وحدهم !!

جانب آخر من تشابكات الخطة تم سريعا فى التنسيق مع القوات الدولية المكلفة بمراقبة التحركات العسكرية فى (المنطقه ب ، ج ) ، وأيضا مع الجانب الإسرائيلى لضمان عدم الإرباك بشكاوى دوليه .. وسمح هذا الإنجاز بدخول طائرات الأباتشى المتطوره وتحليقها وممارسة مهام عمليات وتصوير وما يمكن أن تكلف به وفق ما هو مرسوم أو بتطور الأوضاع عند بدء العمليات .

تحرك القوات السريع ووصول اللواء/أحمد وصفى ـ قائد الجيش الثانى إلى مدينة العريش صباح الأحد نقل الأحداث إلى موقعها الصحيح وسرق الجميع، ترك القاهرة غارقة فى إرتباك الإجتماعات ودعوات الحوار العبثيه مع أحزاب وجبهات لحشد رأى سياسى حول تدخل بعمليات عسكرية، وكانت هذه الدعوات المتهالكه وأصحابها يتحركون تحت تأثير إصابة الشظية الجارحة والإتهام الذى يلاحقهم كل يوم .

أغلى أنواع المعلومات التى وصلت لقيادة العمليه دارت حول تحديد أشخاص الخاطفين وتأكد من أكثر من مصدر أن كل من :

ـ كمال علام .. المحكوم عليه بالإعدام غيابيا فى قضية قسم ثان العريش عام 2011م ( قتل ضابط شرطة وضابط جيش وأربعة أفراد شرطة ).

ـ سليمان البلاهينى .. تاجر مخدرات وله ملف جنائى و منضم مؤخرا للتيار التكفيرى منخرطا فى أحد التنظيمات المسلحة .

ـ خليل المنيعى .. محكوم عليه غيابيا بالسجن فى قضية تفجيرات شرم الشيخ وأحد أعضاء تنظيم التوحيد والجهاد وهو تنظيم مسلح موجود فى سيناء .

ـ حرب المنيعى .. أحد مهربى الأسلحة فى سيناء ومطلوب لأكثر من جهه أمنيه نظرا لخطورة نشاطه وتشابك علاقاته مع أطراف خطرة .

ـ إسلام أبوشيته والسادات أبوشيته .. و هما شقيقى حمادة أبوشيته الذى يقضى عقوبة السجن المؤبد فى القضية التى شارك فيها كمال علام .

ـ سليم أبوحمدين .. أحد عناصر المنظمات التكفيريه المسلحة .

ـ خليل سليمان صالح .. محكوم عليه غيابيا فى العديد من القضايا الجنائيه .

يدور حولهم شبهات قويه حول تورطهم أو تلامسهم مع جريمة خطف وأسر الجنود بدرجات متفاوته فمنهم المنفذ المباشر ومنهم المخطط وآخر يدير مسألة الإخفاء، وكان من المعلومات الغالية أيضا أن تحدد مربع تقريبى يقع فى المنطقة مابين مدينتى رفح والشيخ زويد بالجهة الصحراويه جنوب الطريق الدولى الساحلى .

بدأت القوات الموجودة فى مسرح العمليات بتنفيذ بنود الخطة فى سرعة يتطلبها الموقف بشكل عام، فبدأ طيران الآباتشى يقوم بطلعاته الجوية التى جمعت صورا دقيقة وتفصيلية عن مكان العملية، وتزامن معها تحرك سريع على الأرض من قوات مدرعة خفيفه مدعومه بمجموعات الصاعقه وقوات العمليات الخاصة بالشرطة من تنفيذ مهام الحصار والعزل عن مربع الخاطفين فى إحكام يضيق تدريجيا مع تنفيذ تمشيط وعمليات بحث دقيق عن أماكن متوقع الإخفاء فيها أو التحرك داخلها، دارت هذه العمليات بنجاح فى مناطق ( الجورة ـ البرث ـ الزوارعه ـ الجميعى ـ صلاح الدين ) وأسفرت عن العديد من حالات ضبط ومصادرة لأشخاص وسيارات وسلاح بوتيرة أدخلت العملية فى طور آخر .

كان ممن أصابهم شظايا تلك الحادث شيوخ ورؤساء القبائل السيناوية، فاللغم على أرضهم وإنكشاف عدم سيطرتهم على الأحداث قد يصيب أوضاعهم فى مقتل، وهم يعتمدون صيغ متعددة فى التعامل مع الدولة ليس من بينها هذا التصعيد الذى أربكهم قبل غيرهم، فبالإضافه إلى تعاون مثمر فى مجال المعلومات كان لهم إسهام ثمين فى حسم العملية برمتها من خلال رسالة موجزة منهم للخاطفين تفيد أن جدية خيار الحسم العسكرى ورفض التجاوب مع تسلم الجنود قد يحول موقفهم إلى المشاركه فى ضبطهم وأن العمل العسكرى قد يتسع بما يقلب الأوضاع برمتها إلى الأبد، و ألقوا إلى الخاطفين بنصيحة الإحتفاظ بالأوضاع التى تحقق لهم مكاسب على الأرض وبنصيحة كيفية الإفلات المؤقت بترك الجنود طواعية بالطريقة التى تمت بالفعل .. وقد نفذ الخاطفين ما جاء بالرسالة حرفيا فأنفاس القوات المشاركة فى العملية كانت قد إقتربت منهم لحد الخطر الذى جعلهم يتجاوبون سريعا مع الروشتة البدويه للقبائل والتى تمت أيضا بترتيب مع قيادة العملية .. و تم الأمر .

أهداف العملية موجود نصا فى أوراق مضبوطات ( خلية تفجير السفارات ) بإستهداف قوات الجيش والشرطة فى عمليات مسلحة أو خطف جنود أو تفجير مواقع تابعة لهما و خاصة فى منطقة سيناء، وكانت الضربة الأمنية بضبط الخلية قبل القيام بأى من أهدافها ومن قبلها خلية أخرى والإثنان لهما ارتباطات وثيقة بالجماعات المسلحة فى سيناء ما أفقد تلك الجماعات صوابها ودفعها لتنفيذ شيئ ما على الأرض لكنه لم ينتج أثره هذه المرة .. وبقي صراعهم مع الأجهزة مؤجلا إلى حين وإلى ترتيب آخر، فقد دخلت المواجهه إلى أطوار جديده بالفعل .

بقي حديث الصفقة والتبادل وخروج مساجين فى مقابل الإفراج عن الجنود، وهو حديث جرت فيه مياة كثيرة ولكنه لم يخرج فى نهايته عن وعود جديه بفتح ملف الطلبات وبحثها وطرح مايمكن عمله على طاولة البحث، لكن هذا كان مشروط بأن يتم بعد إنتهاء العملية وليس أثناءها ووضع شيوخ القبائل راعين لهذا الملف تضميدا لجراح أصابتهم وتثمينا لدور لم يهدأ طوال أيام الأزمة .

لغم هذا الحادث حتى بعد تفكيكه ظهر أنه من النوع العنقودى الذى يحمل تفجيرات متتالية وشظاياه قد تمتد أبعد مما هو مقدر أو متوقع وهو ما حدث بالفعل .. وما قد ينتج إستكمالا لهذا الحديث فى مرة قادمة إن شاء الله وقدر .

خالد عكاشة

كاتب و محلل سياسى

Scroll To Top