آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفنون » “اليوم الألماني- الأمريكي”.. تاريخ منسي للأمريكيين من أصل ألماني

“اليوم الألماني- الأمريكي”.. تاريخ منسي للأمريكيين من أصل ألماني

على الرغم من وجود 45 مليون أمريكي من أصول ألمانية، ووجود "الحي الصيني" و "إيطاليا الصغيرة" في نيويورك، لكن لا وجود لـ"ألمانيا الصغيرة"، لماذا؟ فيما يلي نظرة على تاريخ المهاجرين الألمان في الولايات المتحدة.اليوم الألماني – الأمريكي"، الذي يُحتفل به في الولايات المتحدة في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام منذ عام 1987، هو تذكير بتاريخ المهاجرين الألمان ومساهمتهم في الثقافة والحياة الأمريكية. في ما يلي اقتفاء لآثار هؤلاء المهاجرين الألمان في الولايات المتحدة ورحلة عبر الزمن إلى محطات مهمة، تكاد تكون طي النسيان من التاريخ المشترك للبلدين.

1904: الرحلة المأساوية للباخرة "جنرال سلوكم"

سواء "إيطاليا الصغيرة" أو "الحي الصيني"، لا تزال هذه الأحياء النابضة بالحياة في نيويورك شاهدة على جذور سكانها. اليوم لا يزال جزء صغير وسط المدينة يذكر بالحياة الألمانية مثل علامات الشوارع الألمانية وحدائق البيرة والحانات. كان اسم "ألمانيا الصغيرة" هو اسم المنطقة الواقعة في الجانب الشرقي الأدنى في بداية القرن العشرين، حيث كان يعيش حوالي 50 ألف شخص هنا، معظمهم من أصل ألماني. في عام 1904 استقل من "ألمانيا الصغيرة" أكثر من 1300 راكب الباخرة "جنرال سلوكم" ، والتي أقلعت في الـ 15 من حزيران/ يونيو عام 1904 للقيام برحلة على نهر إيست. كان يوم أربعاء، ويوم عمل، وكان على متنها نساء وأطفال الكنيسة البروتستانتية، الذين أرادوا التنزه في لونغ آيلاند.

الرحلة السعيدة تحولت إلى مأساة. حيث اشتعلت النيران في الباخرة واندلعت حالة من الذعر، بعد عدم التمكن من إطلاق قوارب النجاة، وتلف سترات النجاة. عندما علقت "جنرال سلوكم" في مكانها، كانت النيران مشتعلة بها وطفى عدد لا يحصى من الجثث فوق النهر، وتوفي 1021 شخصاً: ويعتبر هذا حتى الآن أكبر حادث مأساوي لسفينة مدنية في تاريخ الولايات المتحدة. وفقد تقريباً كل سكان "ألمانيا الصغيرة" أقاربهم في هذه الحادثة. وبعدها غادرت معظم العائلات المنطقة، التي كانت تذكرهم بالكارثة. في عام 1910، كان هناك عدد قليل من العائلات الألمانية لا تزال تعيش في الجانب الشرقي الأدنى. استولى الإيطاليون والصينيون على الشوارع. واختفت "ألمانيا الصغيرة" – مثل الكثير من الآثار الألمانية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن النظرة على التاريخ تساعد لاكتشاف تلك الآثار مجدداً.

1683: أول مستوطنة ألمانية في الولايات المتحدة

على مدى أكثر من شهرين، أبحرت سفينة "كونكورد" عبر المحيط الأطلسي العاصف، قبل أن ترسو في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر عام 1683 في ميناء فيلادلفيا. كان على متن السفينة أيضاً 13 عائلة ألمانية، ينتمون إلى الطائفة المسيحية المعروفة بـ"المينوناتية"، بالقرب من مدينة كريفيلد. استهوتهم فكرة أحد المتدينين الإنجليز في السفر إلى "العالم الجديد". إنه ويليام بن، الذي أراد أن يقدم للاجئين المتدينين أرضاً ليستوطنوها، لأنه في الإمارات والممالك الألمانية في القرن السابع عشر، كان يُسمح فقط للكاثوليكية والكنيسة اللوثرية والكنيسة الإصلاحية بالتواجد، في حين كانت باقي المذاهب الدينية مضطهدة.

في مستعمرة بن، أسست العائلات الـ13 المذكورة ما يعرف بـ"دايتشستيدل"، أول مستوطنة ألمانية في الولايات المتحدة. وبعدها بمائة عام، عاش 200 ألف شخص في ولاية بنسلفانيا، ثلثهم من أصل ألماني. وحتى يومنا هذا، يجري الحديث بلغة "بنسلفانيا الهولندية" القديمة، في أوساط بعض الطوائف مثل طائفة "الأميش". وقد يطلق الآن على "دايتشستيدل" اسم "جرمان تاون"، وتنتمي حاليا إلى فيلادلفيا.

أيضًا في مناطق أخرى من الولايات المتحدة، مثل الغرب الأوسط على سبيل المثال، في ولايات أوهايو، إلينوي، ميشيغان أو ويسكونسين، كان التأثير الألماني كبيراً: هنا يعيش معظم الأمريكيين من أصل ألماني، والعديد من مصانع الجعة الكبرى هناك هي مؤسسات ألمانية. وفي السادس من تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام، يحتفل في "اليوم الألماني – الأمريكي" بذكرى أول مستوطنة ألمانية.

الحرب الأهلية والاستقلال: ألماني يدرب القوات الأمريكية

بفضل ضابط بروسي أصلي تمكن المستعمرون الأمريكيون من الانتصار في حرب الاستقلال (1775-1783) ضد القوة الاستعمارية البريطانية: فريدريش فيلهلم فون شتويبن، سليل عائلة عسكرية، والذي ولد عام 1730، كان يخدم في جيش ملك بروسيا فريدريش الأكبر، قبل أن يتعرف على ببنيامين فرانكلين في باريس، الذي أوصى به القائد العام للمستعمرين في الخارج، جورج واشنطن. وفي عام 1778 وصل شتويبن معسكر الشتاء للجيش القاري "Continental Army". وكانت مهمته هي مساعدة المتطوعين، الذين كانوا في الواقع مزارعين أوتجاراً أو سياسيين، على تشكيل جيش قادر على تحدي الجنود البريطانيين المحترفين. ومع الانضباط البروسي نظم شتويبن تدريب الجنود بشكل شامل لدرجة أنهم هزموا البريطانيين. ومنذ 1957، ومن خلال "مسيرة شتويبن" يجري سنويا في نيويورك الاحتفال بذكرى أحد أهم الأمريكيين الألمان في فترة التأسيس.

كذلك خلال الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) شارك عسكريون ألمان في الحرب، ومنهم مثلا فرانز زيغل، المنحدر من منطقة قريبة من هايدلبرغ. وقد تدرج الضابط الألماني حتى وصل إلى رتبة اللواء وكان واحداً من كبار قادة الجيش الشمالي. وكانت هناك أغنية شهيرة خلال تلك الحرب اسمها "أنا ذاهب للقتال مع زيغل"، وكانت كلماتها تمزج بين اللغتين الإنجليزية و الألمانية، وتذكر بما يقرب من نصف مليون جندي ألماني أو من أصول ألمانية شاركوا مع الجانبين في حرب ولايات الشمال ضد ولايات الجنوب.

1848: ناشطة حقوق المرأة ماتيلدا فرانتسيسكا آنيكيه

كان فرانز زيغل واحداً من أولئك الذين تمردوا على الأمراء والملوك في عام 1848 في أوروبا. وبعد فشل الثورة هرب إلى الولايات المتحدة. تماما مثل فريتس آنيكيه من ويستفاليا (الذي قاتل لاحقا في صفوف الولايات الشمالية أثناء الحرب الأهلية) وزوجته ماتيلدا فرانتسيسكا آنيكيه، التي عملت كصحفية في أوروبا، بما في ذلك لصحيفة كان يكتب بها أيضا الأديب الشهير هاينريش هاينه.

في الولايات المتحدة، سُمح لماتيلدا وقتها بالقيام بما كان محظوراً في الولايات الألمانية: لقد ألقت محاضرات عن الفرص التعليمية والمساواة بين الجنسين ومناهضة العبودية. وفي عام 1852، أسّست "جريدة النساء" باللغة الألمانية، وفي عام 1869 أصبحت أول نائبة لرئيس "جمعية حقوق المرأة الوطنية" – وبالتالي واحدة من أهم النساء في الحركة النسائية الأمريكية.

كذلك تمكن المهاجرون الذين يطلق عليهم اسم "فورتي-أيترز" من تقلد مناصب مهمة في الولايات المتحدة الأمريكية: كان الثوري فريدريش هيكر ملتزماً بالحزب الجمهوري الذي تأسس حديثًا وأصبح كارل شورتس وزيرًا للداخلية ومستشاراً للرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن آنذاك. وبشكل عام كان الثوار السابقون مجرد مجموعة صغيرة بين المهاجرين، إذ فر معظمهم من الجوع والفقر إلى الغرب، وازدادت الأعداد وبحلول منتصف القرن التاسع عشر انتقل مليون ألماني إلى الولايات المتحدة، ولم تتراجع أرقام المهاجرين من ألمانيا إلى الولايات المتحدة إلا مع نهاية القرن الـ19.

1917: اختفاء الآثار الألمانية

عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى. وعندما دخلت الولايات المتحدة الحرب في عام 1917، تغيرت العلاقة مع الأمريكيين الألمان، داخل الولايات المتحدة أيضًا. وقام الأمريكيون من أصل ألماني بتغيير أسمائهم إلى أسماء أمريكية و دعت السلطات إلى مقاطعة البضائع الألمانية. اختفت المصطلحات الألمانية من الاستخدام اللغوي. حتى كلمة "الملفوف الحامض"، وهو التسمية لنوع شهير من المخلل في ألمانيا أصبحت منذ ذلك الحين "Liberty Cabbage" (ملفوف الحرية). وفي ولاية إيلينوي، قام حشد غاضب بمهاجمة الألماني الأمريكي روبرت براغر وأجبروه على رفع العلم الأمريكي وغناء النشيد الوطني وبعدها قاموا بشنقه.

وخلال الحروب العالمية اختفت بالفعل الكثير من الآثار الألمانية من الحياة اليومية الأمريكية. وابتداء من عام 1933 فَرَّ كثير الأشخاص إلى الولايات المتحدة بعدما استولى النازيون على السلطة في ألمانيا. لم يكن لدى هؤلاء رغبة في البقاء في البلاد، التي اضطهدت اليهود وغيرهم من الأقليات وقتلت الملايين منهم. وأصبح العديد من هؤلاء بسرعة أمريكيين. مثل هنري كيسنغر، الذي أصبح فيما بعد وزير خارجية الولايات المتحدة: وكان قد هرب من ألمانيا في عام 1938، وهو في سن المراهقة مع عائلته اليهودية، وفي عام 1943 حصل على الجنسية الأمريكية وحارب كجندي ضد بلده الأصلي، ألمانيا.

وخلافا للمهاجرين الإيطاليين أو الصينيين، الذي هاجروا من بعد، فإن آثار الألمان اليوم مخفية إلى حد ما، لكنها متشابكة بشكل وثيق مع الثقافة الأمريكية، إذ يستحيل تقريبًا الفصل بينهما. بل إن اسم أمريكا يعود إلى رسام الخرائط الألماني مارتن فالدسيمولر. لأنه كتب على خريطته للعالم في عام 1507 اسم: "أمريكا"، على البلد التي كانت مكتشفة حديثاً في الغرب آنذاك، في إشارة إلى البحار أمريكو فسبوتشي، الذي لم يكن ألماني الأصل، وإنما إيطاليا.

سوزانه شبروير/ إ.م

Scroll To Top