الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » عائشة إسراء زيد هشام… الكهرباء أهم بقلم| د. جمال عبد الجواد

عائشة إسراء زيد هشام… الكهرباء أهم بقلم| د. جمال عبد الجواد

2017_5_26_20_17_12_997يمر لبنان بأزمة طاقة طاحنة. حظ العاصمة بيروت هو الأفضل، كما هو حال العواصم دائما، فالكهرباء لا تنقطع عن أحيائها سوى ثلاث ساعات فقط يوميا، في حين يتم قطع التيار الكهربائي عن معظم مناطق لبنان لمدة 12 ساعة كل يوم. يحدث هذا فيما تم ضخ أموالا هائلة في قطاع الكهرباء في لبنان، قدرها البعض بأكثر من 17 مليار دولار منذ عام 2011، لكن النتيجة الفعلية لهذه الأموال لا تكاد تذكر، بينما السياسيون زعماء الطوائف اللبنانية يتبادلون الاتهامات بشان المسئولية عن هذه الأزمة.

واحد من الحلول العجيبة التي تفتق عنها ذهن السياسيون في لبنان هو إيجار سفن مولدة للكهرباء. فمنذ عدة أعوام تعتمد مدن ومناطق ساحلية لبنانية على الكهرباء التي تولدها سفن مستأجرة ترسو في الميناء، حيث يتم توصيل المولدات المحمولة على السفينة بشبكة توزيع الكهرباء.

قبل أسبوعين رست سفينة تركية مولدة للكهرباء في ميناء الزهراني لتزويد المدينة بالكهرباء حسب الاتفاق. يقع ميناء الزهراني في جنوب لبنان ذو الأغلبية الشيعية والواقع تحت سيطرة حزب الله وحلفائه الشيعة الذين باتوا يتحكمون في لبنان كله، وليس فقط جنوبه. يعيش لبنان مجموعة من الأزمات المتوازية، من أزمة قمامة إلى أزمة كهرباء، إلى أزمة تشكيل حكومة، لكن كل هذا غير مهم، فالمهم هو أن السفينة التركية اسمها عائشة، الأمر الذي استفز الأحزاب الشيعية القوية المسيطرة على الزهراني والجنوب كله، فالسيدة عائشة زوج رسول الله متهمة من جانب الشيعة بالتآمر على علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت الرسول، فكيف لسفينة اسمها عائشة أن تقوم بإنارة بيوت شيعة الزهراني الأتقياء.

المعضلة هي أنه حتى الشيعة الأتقياء لا يمكنهم الاستغناء عن الكهرباء، والأمر لا ينتظر تبديل السفينة التركية بغيرها تحمل اسم مناسب، وبالتالي فإنه كان لابد من البحث عن حل عملي. وكما جاء في القصة الشهيرة التي أفتى فيها الشيخ بضرورة هدم الحائط الذي أصبح نجسا بعد أن بال عليه كلب، لكن الشيخ نفسه – عندما علم أن الحائط موضوع الفتوى هو حائط بيته – عاد وأفتى بأن قليلا من الماء يكفي لتطهير الحائط، أفتى الأذكياء في الزهراني بأن قليلا من الدهان يجعل كهرباء عائشة مقبولة شيعيا، فقام ملاك السفينة التركية بنقش اسم جديد على بدن عائشة، التي أصبح اسمها الآن إسراء، مما جعل التيار الكهريائي الصادر عنها حلالا، يضيء المدينة ولا يخدش الحساسية الطائفية.
ذكرتني أزمة عائشة – إسراء بما حدث في مطلع هذا الصيف، عندما نظمت نقابة المحامين في مدينة النجف العراقية محاكمة للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، الذي حكم عليه في نهاية هذه المحاكمة الغريبة بالإعدام بتهمة قتل زيد بن علي بن الحسين. ولمن لا يعرف فقد خرج زيد بين علي ثائرا على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 122 من الهجرة، وهي الأحداث التي انتهت بمقتله وفشل الثورة، التي نجحت فقط في إضافة فصل جديد لموسوعة المظلومية الشيعية.
لا يبدو أن ألفا وخمسمائة عام تكفي لتهدئة خواطر الشيعة تجاه السيدة عائشة والأمويين. ليس هذا مستغربا، فشعوبنا وطوائفنا كلها تعيش كما لو كانت خرجت لتوها من كتاب تاريخ لم يجف المداد الذي كتب به. غير أن الشيعة يعانون من وطأة التاريخ أكثر من غيرهم من طوائف المنطقة، بسبب طبيعتهم كطائفة أقلوية، تحاول باستمرار تأكيد روايتها المختلفة للتاريخ، في مواجهة تيار عام رئيسي له رواية أخرى. وطالما ظلت شعوبنا أسيرة لتاريخ قديم صنعه آخرون، فإنه ستظل عاجزة عن صنع تاريخها الخاص، وعن التقدم نحو المستقبل.

Scroll To Top