الأربعاء , 12 ديسمبر 2018
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » بورتريهات الفيوم والخلود بالفن … بقلم| د. أحمد عمر

بورتريهات الفيوم والخلود بالفن … بقلم| د. أحمد عمر

2017_5_28_13_43_12_721

بورتريهات الفيوم هو الاسم الحديث لمجموعة من اللوحات الشخصية التي رسمت على الخشب، وكانت تُلصق على المومياوات في مصر أيام الرومان، حيث استبدل بقناع الميت تلك الصور الشخصية المرسومة.

وقد وجدت بمحافظة الفيوم في مصر، وإن كانت قد وجدت أيضاً في مواقع أخرى تمتد من سقارة شمالاً إلى أسوان جنوباً. والبورتريهات تُجسّد ملامح ووجوهًا مصرية أصيلة، تألفها بمجرد رؤيتها، وتستشعر أنها وجوه لبشر كثيرين تراهم كل يوم في قرى ومدن مصر.

وتعود تلك البورتريهات لفترة الحكم الروماني لمصر، ومع ذلك لا تمثل مرحلة نهاية الفن المصري القديم، بل مرحلة تحوله وتمازجه مع الفن اليوناني والروماني. ولذلك يمكن أن نستنبط منها أهم ملامح الفن المصري القديم، الذي لم يهتم برسم الشيء المرئي الكائن، بل ما ينبغي أن يكون، وما لا يُرى؛ فهو في جوهره تجسيد للتجريد، واستحضار لكل ما هو بعيد وغائب.

وأهم ما يميز تلك البورتريهات أمران:

– الألوان الزاهية للأجزاء الظاهرة للملابس، وأسلوب تصفيف الشعر  واللحية للرجال، وأسلوب تصفيف الشعر  والتزين بالحلي للنساء.

– ملامح تلك الوجوه النفسية والفكرية البادية للعيان وعمقها المذهل؛ فهي شخصيات جوانية بامتياز، تستشعر أنها غارقة في التفكير الباطني والحوار مع الذات، والتساؤل حول سبب الوجود ومعنى الحياة وجدواها، ومصير الإنسان، وإلى أين سيذهب بعد الموت. وهذا العمق بالطبع مستمد من جذور الشخصية المصرية البعيدة، والضاربة في عمق الحضارة المصرية القديمة التي ترجع إليها نشأة التأمل الفلسفي في العالم، واختراع العالم الآخر والخلود.

ولهذا إذا أطلنا النظر في عيون تلك الوجوه التي تجسدها البورتريهات، تبدو لنا نظرتها الفلسفية العميقة، ونستشعر أنها قادمة من العدم إلى الوجود. وهذا الاستنتاج يتأكد لنا إذا وضعنا في الاعتبار أن تلك البورتريهات كانت ترسم للشخص في حياته، وقد تُعلق في منزله حتى وفاته لتوضع بعد ذلك على موميائه.

وبالتالي، فقد كان الشخص المرسوم يعلم جيداً أن تلك اللوحة تمثل امتداده واستمراره في الوجود، عندما ينتقل من الوجود إلى اللاوجود؛ ومن ثم يمكن أن نعدها مظهراً من مظاهر انشغال المصري في تلك المرحلة التاريخية بالخلود، باعتباره هاجسه الأول والأخير، ولهذا سعى جاهدًا للتخلص من الشعور الثقيل، بحضور ما هو نسبي زائل، لكي يتواصل مع المطلق والأبدي.

وإذا كان بعض الفلاسفة قد اعتقدوا أن الحرية الحقيقية تكمن في وعي الإنسان للضرورة الكامنة في صميم الوجود، وأنه ليس حراً تماماً؛ فقد جعلتني تلك الوجوه التي تجسدها بورتريهات الفيوم والسمات المميزة للروح المصرية القديمة- أعتقدُ أن الحياة الحقيقية لا تبدأ كما يظن الجميع بالولادة، بقدر ما تبدأ بيقين ووعي الموت، بوصفه الحقيقة الأكثر جوهرية في الوجود الإنساني.

وبالتالي فإن الحكمة الحقيقية هي وعي الموت وحتمية الرحيل عن هذا العالم. وهذه الحكمة هي التي تلهم الإنسان بكل ما هو سامٍ وجليل؛ ليعيش بعد امتلاكه لها وهو يسعى إلى أمر واحد، هو أن يجعل لحياته العابرة معنى، ولوجوده الفاني قيمهة.

في النهاية إن تلك البورتريهات هي لحظة مرصودة من عمر إنسان عابر مر على تلك الأرض، لحظة منفصلة بذاتها جُسدت في تلك اللوحة.

وقد رحل هذا الإنسان العابر، ولكن تلك اللحظة المرصودة ما زالت تحيا، وأصبح زمانها ممتداً بزمن بقاء تلك البورتريهات التي اعتبرها “بيكاسو” قمة فن البورتريه في العالم.

وهذا في اعتقادي هو الخلود الذي يهبه الفن وممارسته للإنسان الذي مهما طال وجوده على الأرض، فهو راحل عنها.

Scroll To Top