آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » أيامى فى الشرق الأوسط! . بقلم| مفيد فوزي

أيامى فى الشرق الأوسط! . بقلم| مفيد فوزي

الإعلامي الكبير مفيد فوزي - أرشيفية

الإعلامي الكبير مفيد فوزي – أرشيفية

تربيت فى إذاعة الشرق الأوسط وعشت ثلاث فترات، وللدقة ثلاث تجارب. تجربة طاهر أبوزيد وفيها تعلمت فن السؤال وكيف يحمل مضموناً، وتجربة آمال فهمى وتعلمت معنى المواجهة بالسؤال، وتجربة مديحة نجيب التى أفرجت عن صوتى ليحمل أوجاع وطن بنقد لا يعرف المساومة!. أنا من جيل يعترف بفضل من علمه وأضاف إليه حرفاً، وقد توالت أجيال شابة على هذا الموقع وكل تجربة لها مذاقها الخاص، وحين تطلبنى إذاعة الشرق الأوسط لأى حوار فأنا ألبى الطلب بلا تردد.

وهذا العام طلبت منى الإذاعة ورئيسها «دلال الشاطر» ولها من اسمها نصيب كبير أن أكون ضيفها على مدى أيام رمضان ٢٠١٨، حيث تقوم المذيعة اللهلوبة «وفاء رشوان» بالحوار معى عن «أيامى».. إنها شبه سيرة ذاتية مصغرة ونجحت وفاء فى هذه النوعية من البرامج، فهى – بصمتها – تحرص على البوح و بسؤالها القصير تفتح مغاليق النفس! وأنا أحب كتب السيرة الذاتية لأنها تضم «حيوات» لا حياة واحدة، وأجمل ما فى السيرة الذاتية أن صاحبها يدونها أو ينطق بها ويسردها فى حالة نصج، معنى هذا أني لست مجرد حكاء مهما كان سحر الحكي و لكنى أتوقف عند الحدث وماذا استفدت منه و بم «يشى»؟. كان مهما المحافظة على سرعة السرد ونبذ الرخامة، فالبرنامج يومى وسرعة الإيقاع مطلب وضرورة.

نعم، كل حادث أو حديث له تفاصيل ولكن سرعة الإيقاع أو هذه التغريدة الإذاعية تتطلب عناوين الأحداث فى حياتى دون التفاصيل، وللعلم فإن إذاعة الشرق الأوسط كان لها الفضل فى البث بسرعة إيقاع لا يخل بالمعنى أو يفسده، وحين يأتى الأمر فى سرد قصة حياة أو سيرة ذاتية فلابد أن معلومة جذابة تلتقطها وفاء رشوان بيقظة لكى نغرى المستمع بالمتابعة اليومية في البيت والسيرة، وإن كنت أتابع الحلقات على الراديو من شاشة التليفزيون. ولما كان التوقيت مهماً، فقد طلبت أن يكون فى فترة ساخنة تسبق الإرسال التليفزيونى بساعة وتسبق مدفع الإفطار بربع ساعة، وكان ضرورياً أن يكون لهذه «السيرة الإذاعية» تتر، ونجحت وفاء رشوان فى العثور على مقطع معبر وجميل من أغانى العندليب وهو «لو حكينا يا حبيبى نبتدى منين الحكاية» ثم كرمتنى الفنانة الكبيرة عظيمة المسرح سميحة أيوب وقالت التتر بصوتها الكلثومى الجميل الواثق من نفسه: مفيد فوزى يحكى…» ثم تشد وفاء رشوان خيط الأحداث فقد كنت طفلاً فضولياً خجولاً إلى أن صرت صبياً يافعاً أهوى الصحافة واكتشفت نفسى فى نشاط تربوى مدرسى هو المفرخ للمواهب، ذلك أن أول كشافى المواهب هم أساتذة المدرسة، وكان هذا قبل الكشافين العظام فى حياتى: كامل الشناوى وحسن فؤاد وأحمد بهاء الدين. تعلمت فى «التغريدة الإذاعية» ومدتها دقائق معدودة سمة برامج رمضان الإذاعية القصيرة وكان برنامج «أوافق أمتنع» مع سناء منصور على قمتها، ولم أصل لتلك القدرة الفائقة لآمال العمدة مذيعة الراديو التى كانت برامجها الرمضانية القصيرة فاكهة الموسم للمستمعين فى الشرق الأوسط أو البرنامج العام، كانت آمال تسجل ساعة مع ضيفها من أصل 6 دقائق. رحم الله حسنى غنيم كان يجن من مونتاج آمال العمدة بالهمسة والحرف!.

أعود مرة أخرى للتأكيد أن أستثمر فضيلة «الحكاء» فى بث رسائل تصل إلى المستمع المتابع وهذه تحتاج إلى «الحرفية» فى العرض، فلا يمكن إذاعياً أن أتوقف لأعلن آراء وعظية، وكأنها نصائح مدرسية، إنما حين أشيد بفضل النشاط الخارجى للمدرسة، فأنا أشيد بعملية مهمة فى حياة التلامذة، فالموهبة الموسيقية تتلألأ مبكراً يكتشفها مدرس الموسيقى وجين الرغبة فى الكتابة اكتشفه عندى «منصور أفندى» مدرس اللغة الإنجليزية أول من شجعني على إصدار صحيفة حائط!. وتسأل وفاء رشوان وتنقب عن حكايات، بيد أنى أشفع الحكاية بمضمون غير مباشر، فحين أعترف أن أمى هى التى حرضتني على القراءة، قصدت أن تكون «الأم» محرضة على ملء عقول أولادها بالمعرفة، حين قالت لى الراحلة آمال العمدة إنها كانت تعاقب إذا ضبطت ترسم ولولا العقاب للإقلاع عن الرسم لكانت آمال العمدة رسامة لها شأن باعتراف صلاح جاهين الذى توقف عند لوحة «الفسحة المدرسية»!. حين أقول إن بيتى لم يسخر منى يوم قررت إصدار مجلة من كراسات المدرسة بعنوان شمس الفكر، فأنا أبث أهمية التشجيع للنشء.

حين أقول ذهبت لأطلب من الكبير إحسان عبدالقدوس أن أتدرب فى صباح الخير وكان ذلك فى إحدى الأمسيات، فأنا أغرس فى الوجدان فضيلة المثابرة!. حين أحكى عن شاب قابلته ذات ليلة أرسله الصحفى الكبير فوميل لبيب إلى إحسان عبدالقدوس وبطاقة التوصية صوته، فأنا أريد القول إن الموهبة الكامنة تحتاج إلى تسليط ضوء وإلا فقدت البوصلة وكان هذا الشاب فيما بعد هو عبدالحليم حافظ صاحب أرق نغمة عربية. حين تكون تحقيقاتى الصحفية محشوة بمعلومات يشير علىّ التليفزيون، فيكلفنى صلاح زكى بإعداد «نجمك المفضل» أول «صحافة مرئية»، ويختار زملاء هم رؤوف توفيق وأحمد بهجت ومحمد تبارك، هنا يبدو للمستمع أهمية «المعرفة» فهي من أدوات النجاح، وعند النجاح والفشل أتوقف، فالنجاح يحققه الإنسان بمجموعة عوامل أهمها الثقة بالذات واقتناص الفرصة والمعرفة والذكاء الاجتماعى، وقبل كل هذا «كاريزما» من عند الله.

لقد رويت في حلقات «مفيد فوزى يحكى» حكايات من أيامى على الشرق الأوسط تمجد قيمة الإصرار والمتابعة وتجاوز أى فشل والاستماع لرأى الآخر والإحاطة بالحياة والسفر والذكاء الاجتماعى وكلها عوامل نجاح الشخصية. لقد عرفت – كما رويت – شخصيات من عينة محمد عبدالوهاب ويوسف إدريس وزكى نجيب محمود وأحمد زويل ونزار قبانى و غادة السمان وسعاد الصباح، وما كنت أعرفها لو لم أملك قلماً للحوار وعدسة تدخل فى الأعماق- كمحاور على الشاشة- ترصد مجتمعاً وتداوى جروحاً واستمرت أكثر من 30 عاماً متواصلة!. وكانت يد الله فوق كتفى.

Scroll To Top