آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » إنهم يَئدون الأفكار! بقلم| حمدي رزق

إنهم يَئدون الأفكار! بقلم| حمدي رزق

حمدي رزقمعذرة، لا أملك أفكاراً طازجة للعام الجديد، لست بابا نويل، ولا أحمل هدايا ثمينة، أفكارى قديمة ومستهلكة، أنا دقة قديمة، جيل قديم، جيل ع المعاش، سقط متاع، وقع من قعر قفة الوطن، البركة فيكم يا فى حبايبكم.

الأفكار التي اختزنتها طويلاً فسدت، غير صالحة للاستهلاك الآدمى، تسبب تسمماً فكرياً وتلبكاً عقلياً، سقط بعض منها على الرصيف، فداستها الأقدام، بعضها تدحرج كالبيض الفاسد فى عرض الطريق، ممددة على الأسفلت تدهسها العربات المسرعة، لا تلوى العربات على شىء، لا تتوقف حتى تتبين فكرة حية تسعى إلى الخير والحق والجمال، دهس الأفكار فى الوطن الحبيب حوّلها إلى بطاطس مهروسة، لا أحب البطاطس المهروسة.

ما هو مدخر من عام مضى لعام مقبل كمُصَاصة القصب، قش لا يبلل ريقاً جافاً، مثل حسك لا يبلل ريق الجمال فى صحراء الهجير، نجتر أفكارنا مثل الجمال المجترّة، ماذا يمضغ الجمل، يلوك الأعشاب الجافّة، يملك فماً مبطّناً لديه القدرة على تحمّل أكل الحسك، ونحن نزرع الشوك، ونتغذى على الشوك، ونمشى على الشوك، فوق الشوك مشّانى زمانى.

بأى حال عدت، وما الإصباح منك بأمثل، الشكوى حلت محل الفكرة، المفكرون حيارى عطاشى، حائرون يفكرون يتساءلون في جنون، اللى بيشكى حاله لحاله، واللى بيبكى على مواله، أهل الفكر صحيح مساكين، مناخات التفكير فى البيئة القارية قاتلة، من يفكر يرتكب إثماً عظيماً، المفكرون منبوذون، المفكرون مطلوبون للقتل.

كيف تفكر ومسرور السيّاف ينتظرك على قارعة الطريق، كيف تتنفس والمحتسبون الجدد يتجهزون ببلاغات؟.. التفكير فى مراعى القتل انتحار، بيئة الأفكار، رحم الأفكار، مناخات التفكير، البراح، السماح، سعة الصدر، المجتمع صار صدره ضيقاً حرجاً وكأنه يصّعد إلى السماء، لا يقبل فكرة جديدة، لا يقبل جديداً، كله على قديمه، منغلق على نفسه يرفض الانفتاح، لا يرى سوى نفسه، لا يرى الآخر، يتجاهله، وإن تذكره كفّره، وإن كفّره حكم عليه بالقتل، مجتمع طارد للمفكرين، يسجنهم، يقتلهم، يشنق أفكارهم على أعواد الذرة فى حقول الثأر، مجتمع يقتات ثأراً فكرياً وسياسياً ومجتمعياً وجهوياً وإثنياً وعرقياً ودينياً، يتعايش على فكرة قديمة مشتقة من حياة الغاب، البقاء للأقوى.

الأفكار كالورود، مَن يسقى الورود لتفتح الأفكار، مَن يقبل الآخر فكرياً، مَن يلوذ بالفكرة، مَن يعتصم بالعقل، مَن يفقه القول، مَن يتسامح، مَن يقف على رؤوس الأفكار اليانعة يحيطها بالرعاية، مَن يقبل فكرة جديدة، مَن يقبل فكرة مختلفة، مَن يفسح الطريق لمفكر طموح قادم لتغيير البنية الأساسية للتفكير فى مجتمعات قدّمت دوماً النقل على العقل وقدّست النص، وأضافت للمقدس نصوصاً بشرية، فاختلط الأمر، وصار اضطراباً عظيماً.

كانوا فى الجاهلية يئدون البنات، يخشون عاراً يلحق بشرف مزعوم، وفى جاهليتهم أيضاً يئدون الأفكار يخشون عاراً يلحق بشرف مزعوم، الأفكار المضيئة تعرى تخلفهم، الأفكار المنيرة تكشف سوءاتهم، الأفكار تعصف بهم، تشتتهم، الأفكار هى ما يخشونه، لا يخشون سلاحاً فتاكاً، يخشون فكرة، حرب الأفكار أخطر من كل الحروب التى مرت على البشرية.

Scroll To Top