الإثنين , 18 ديسمبر 2017
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » مشيرة خطاب مديرة لليونسكو.. بقلم| زاهي حواس

مشيرة خطاب مديرة لليونسكو.. بقلم| زاهي حواس

زاهي حواسإن موعد اختيار مرشح جديد لتولى منصب المدير العام لليونسكو يقترب. وهو قرار على قدر كبير من الأهمية، وأود هنا أن أشرح للعالم لماذا يعد من الأهمية بمكان أن يعطى هذا المنصب لمرشح عربى، وتحديدا لمرشحة مصر، مشيرة خطاب.

لقد تقدمت فرنسا بمرشح لتولي رئاسة اليونسكو، صحيح أن مقر المنظمة يقع فى باريس، وأن الفرنسيين متعاونون رائعون فى مجال التراث الثقافى، أتكلم هنا من مواقع خبرة شخصية: هناك العديد من البعثات الفرنسية التى تعمل حاليا فى مصر، والتعاون الأثرى بين بلدينا رائع. وتعد البعثة الفرنسية المصرية إلى معابد الكرنك مثالا ممتازا للتعاون الدولى، حيث يعمل علماء الآثار من البلدين معا لتسجيل هذه الآثار الرائعة والحفاظ عليها. كما كان هناك العديد من العلماء الفرنسيين العظماء الذين ساهموا فى علم المصريات من «مارييت باشا»، الذى أسس مصلحة الآثار المصرية، إلى «شامبليون»، الذى قام بفك رموز الهيروغليفية، بالإضافة إلى ماسبيرو، ولاور، وليكلانت، وغيرهم كثيرين.

وعلى الرغم من أن الحكومة الفرنسية تقدر هذا التعاون، إلا أنها اختارت أن تتجاهل حقيقة أن مصر قدمت مرشحا مؤهلا بدرجة عالية، وقدمت بدلا من ذلك مرشحا خاصا بها. وقد وجهت المجموعات الفكرية فى مصر رسالة إلى السلطات فى باريس تطلب سحب المرشح الفرنسي، بل إن البعض اقترح أن توقف وزارة الآثار كافة أشكال التعاون الأثري بين فرنسا ومصر احتجاجا على ذلك. وذهبت مجموعة من هؤلاء للقاء الدكتور خالد العنانى، وزير الآثار المصري، وطلبوا منه قطع جميع العلاقات رسميا. أنا شخصيا لا أريد أن يحدث هذا، ويحدونا الأمل فى أن يجد الفرنسيون طريقا إلى الأمام سنكون جميعا كمصريين وعرب ممتنين له.

إن الترشيح الفرنسى يخرج عن العرف السائد منذ زمن طويل داخل اليونسكو، والذى لا يدعم أن يتولى رئاسة المنظمة مرشح ينتمى لدولة المقر. كما لا يتيح هذا العرف لأي بلد أن يتولى مواطنوها منصب رئاسة منظمة دولية أكثر من مرة، وبالتالي يجب احترام مبدأ التناوب هنا. فمنذ تأسيس اليونسكو فى عام 1946، لم تحظ أي دولة عربية بهذه الفرصة من قبل، وهذا هو الوقت المناسب لتولى قيادة المنظمة.

إننا نحتفل هذه الأيام بمرور مائتي عام على اكتشاف معبد رمسيس الثانى فى أبو سمبل. وقد سافر الدكتور خالد العنانى، وزير الآثار، إلى باريس لحضور الاحتفالات المصاحبة لهذا الحدث. لقد تم إنقاذ هذه المعابد وغيرها من المعابد، من خلال تكاتف المجتمع الدولى.

وقد أدارت اليونسكو بناء على طلب مصر، حملة الإنقاذ التى حافظت على الكثير من تراث النوبة القديمة، والتي كانت مهددة ببناء السد العالى فى أسوان. ويبقى يوم 8 مارس 1960، يوم الإعلان عن حملة الإنقاذ هذه، محفورا فى سجلات التاريخ.

وقد حضر الاحتفالات الثقافية فى باريس العديد من الشخصيات الدولية، حيث دعا «فيتورينوفيرونيز»، المدير العام لليونسكو فى الفترة من 1958 إلى 1961 وخليفته «رينيه ماهيو»، الذي تولى رئاسة المنظمة فى الفترة من 1961- 1974، الحكومات والمنظمات الدولية وأى مجموعة معنية بتراثنا الدولى لتقديم المساعدة فى شكل أموال أو ودعم فنى وكان رد الفعل كبيرا، فقد قدمت البلدان والأفراد قدر المستطاع، وتم تجميع ملايين الدولارات لهذا الغرض.

وعمل الباحثون واللجان المعنية من أكثر من عشرين دولة معا لمدة عشرين عاما على هذه الحملة الناجحة للغاية. إن هذا التعاون الدولى، الذى بدأته مصر، قد أعطى اليونسكو مكانة جديدة، وجعلها هيئة يُنظر إليها باحترام فى جميع أنحاء العالم.

إن أهمية التراث الثقافى المصرى للعالم ليست سوى أحد الأسباب التى تجعل مرشحنا جديرا بأن يكون المدير العام لليونسكو. فمشيرة خطاب المرشح العربى لليونسكو مؤهلة بحق لتولى هذا المنصب، فهى شخص استثنائى يتمتع بمؤهلات عالية، وسوف تكون قادرة على خدمة اللجنة العالمية بتفان ومهنية، وهى الشخص المناسب لقيادة المنظمة خلال هذه الأوقات العصيبة. إن مشيرة خطاب ليست مجرد مرشحة عربية فحسب، فهى تمثل أفريقيا أيضا، وقد تلقت الدعم الكامل من القادة الأفارقة خلال قمتى كيجالى فى يوليه 2016 وأديس أبابا فى يوليه 2017. ويعمل الاتحاد الأفريقى على الترويج لترشيحها كمرشح أفريقى يدرك جيدا أولويات القارة وشواغلها، ومؤهل لخدمة المصالح الأفريقية فى اليونسكو. إن مشيرة خطاب بمثابة مرشح متعدد الانتماءات، حيث تمثل الثقافات العربية والإسلامية والأفريقية على التوازى.

وعلى مدار حياتها، أثبتت الدكتورة مشيرة خطاب إخلاصها فى الدفاع عن التراث الثقافى. إنها حقا مرشحة دولية- امتدت حياتها المهنية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وأستراليا وأفريقيا. وهى حاصلة على درجة الدكتوراه فى قانون حقوق الإنسان، وقد شغلت مناصب دبلوماسية مهمة لمصر، بما فى ذلك سفيرا لدى جمهورية التشيك وجمهورية جنوب أفريقيا. لقد التقيت بها على مر السنين فى العديد من وظائفها.. فأينما ذهبت، كانت مثالا يحتذى فى النشاط والدأب وفازت بحب الناس فى كل مدينة عاشت بها، كما قدمت إسهامات كبيرة كأمين عام للمجلس القومى للطفولة والأمومة فى مصر. وقد تزاملنا كذلك عندما عينت مصر حكومة جديدة بعد الثورة، وكانت هى وزيرة الدولة لشؤون الأسرة والسكان، حيث أثارت مساهماتها فى مناقشات مجلس الوزراء الإعجاب دائما، وعكست قدراتها العالية ونزاهتها فى مختلف المواقف. ستكون مشيرة خطاب ممثلة عظيمة للمرأة العربية، بل لجميع النساء وجميع الشعوب.

تؤمن مشيرة خطاب إيمانا راسخا بأن الحق فى التعليم الجيد هو الإستراتيجية الوحيدة والأكثر فعالية لتحقيق جميع حقوق الإنسان الأخرى، وقد دأبت على وضع أفكارها موضع التنفيذ، كما أن لديها باعاً طويل فى مجال العمل الدولى، وهذا يشمل الخبرة الثنائية ومتعددة الأطراف مع مختلف منظمات الأمم المتحدة، فضلا عما قدمته لبلدها خلال عدة أحداث ذات أهمية تاريخية، وتظهر خلفيتها هذه فيما تتحلى به من شغف سيمكنها من قيادة اليونسكو بنجاح. إن أى شخص يقرأ العرض الذى قدمته أمام وفد اليونسكو سيقر بأن لديها رؤية من شأنها أن تدفع هذه المنظمة لأن تكون قوة دافعة فى حل مشكلة التعليم فى بلدان العالم الثالث، وإنقاذ تراث البلدان التى يسعى الإرهابيون فيها إلى طمس التاريخ.

إن هذه هى الأسباب التى تؤهلنا لتبوؤ مقعد رئاسة اليونسكو، والتى تجعل من مشيرة خطاب بحق المرشح الأفضل لهذا المنصب.

Scroll To Top