الأحد , 24 سبتمبر 2017
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » نذر انقلاب دستوري.. بقلم| عبد الله السناوي

نذر انقلاب دستوري.. بقلم| عبد الله السناوي

download (1)إذا ما مضت دعوات إدخال تعديلات جوهرية على فلسفة الدستور ونصوصه إلى نهايتها فإننا أمام تطور خطير فى توقيته وتداعياته يضرب فى جذر الشرعية ويسحب من رصيد الاستقرار ويشكك بأى أمل دفع المصريون ثمنه باهظا للتحول إلى دولة ديمقراطية مدنية حديثة.

التوجه المعلن فى كلام برلمانى وإعلامى، كأنه أوركسترا بدأ العزف، للذهاب إلى استفتاء يمد الفترة الرئاسية إلى ست سنوات بدلا من أربع يعكس توجها آخر لإلغاء الانتخابات الرئاسية المقررة بعد شهور قليلة.

تلك رسالة باهظة السلبية على صورة بلد يحاول أن يتماسك أمام تحدياته وأزماته وأن يجد لنفسه طريقا سالكا لمستقبل مختلف.

الترجمة الوحيدة، التي يفهمها العالم من تأجيل الانتخابات الرئاسية لسنتين، أن هذا البلد لا توجد به أية قواعد للحكم الرشيد والعملية السياسية تعطلت بالكامل وأن انقلابا دستوريا قد جرى ومسألة الشرعية في مهب الريح السياسى.

أى كلام آخر خداع للنفس قبل الآخرين.

الدساتير ليست نصوصا مقدسة وتعديلها وارد عندما تتبدى ضروراتها، لكنها تفترض احترامها وإنفاذها قبل أحاديث التغيير.

إذا لم يكن للدستور قوة إنفاذه فى القوانين فالكلام عن تعديله قبل تطبيقه يفقد البلد احترامه لنفسه.

فى تبرير طلب التعديل أن الدستور وضع في ظروف غير طبيعية ــ حسب رئيس مجلس النواب.

باليقين لم تكن الأوضاع المصرية العامة طبيعية عند وضع دستور (٢٠١٤)، الدولة كانت معلقة فى الهواء و الرصاص يدوى فى الشوارع.

وباليقين فالأوضاع العامة الآن غير طبيعية بالنظر إلى الحرب مع الإرهاب وارتفاع الأنين الاجتماعى وتجريف الحياة السياسية.

ما يؤسس للاستقرار احترام الشرعية الدستورية، أما التلاعب بنصوصه فنتائجه وخيمة كما حدث دائما.

كان صدور الدستور بالأغلبية الشعبية الساحقة التى حازها، وما وفرته نصوصه من ضمانات وحقوق سياسية واجتماعية وثقافية واسعة بعضها غير مسبوقة، فضلا عن إعادة صياغة الدولة على أسس حديثة تضمن التوازن بين السلطات، من الركائز الكبرى لرفع منسوب الثقة فى المستقبل بوقت حرج ووضع الدولة على أرض شبه صلبة.

من ناحية أخرى الدستور هو الإنجاز الوحيد لثورتى «يناير» و«يونيو» والاعتداء على فلسفته وروحه عودة إلى الوراء ــ إلى حدود (٢٠٠٥) حيث أجريت أول انتخابات رئاسية تعددية دون منافسة جدية، كأنها استعراض رجل واحد، أو استفتاء مقنع.

لا يصح لأحد نسيان أن الرئيس الراحل «أنور السادات» عدل عام (1980) فى دستور (١٩٧١) حتى يتسنى له التمديد لرئاسته بلا سقف زمني، غير أن الذي استفاد من ذلك التعديل خلفه «حسنى مبارك»، الذى امتد حكمه لثلاثين سنة جمدت السياسة خلالها وتفشى زواج السلطة بالمال حتى وصلنا إلى ثورة «يناير».

بالتلاعب التالى فى الدستور استحالت بعض مواده إلى شبه لوائح مفصلة للوريث المحتمل وتلخصت مطالب حركات الاحتجاج فى تعديل المواد (٧٦) و(٧٧) و(٨٨) الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية وضمانات الإشراف القضائي النزيه.

فى آخر خطاب وجهه «مبارك» للشعب أعلن موافقته على تعديل تلك المواد وغيرها، غير أن الوقت كان قد فات

تفصيل الدساتير لعنة تاريخية.

الأهم من ذلك كله ــ بالنظر إلى التاريخ المصرى الحديث ــ أن الدساتير الأكثر أهمية وإلهاما تخرج دائما من عباءة الثورات.

الثورة فعل استثنائى يهدم القديم ويؤسس لمستقبل آخر والانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية مسألة دستور يدمج قيم وأهداف التغيير فى نصوصه.

إذا ضربت فلسفة الدستور فإنها ثورة مضادة.

كما لا يصح لأحد نسيان أن الإنجاز الوحيد لثورة (١٩١٩) هو دستور (١٩٢٣) حيث لم يتحقق مطلبها الآخر فى طلب الجلاء.
تعرض ذلك الدستور للانقضاض عليه عام (١٩٣٠) وجرى استبداله بدستور آخر ينزع عنه مكتسباته، غير أن الحركة الوطنية المصرية قاومت الانقلاب الدستورى حتى أسقطته.
شىء من ذلك قد يحدث، كأننا لا نقرأ التاريخ.

دساتير الثورات غير أية دساتير أخرى، فقد دفعت أثمانها مقدما

وهذه قضية لها ما بعدها

بالتعريف الدستور عقد اجتماعى يؤسس للاستقرار بالتراضى العام.

عندما يتراجع مثل هذا التراضى فإننا أمام مشروع اضطراب سياسى مؤكد.

وقد كان الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى مارس (٢٠١١) بالأجواء السلبية التى صاحبته، أول مؤشر على صدام كبير مقبل لا محالة بين القوى المدنية والجماعات الإسلامية التى أسمته «غزوة الصناديق».

حصدت الجماعات الإسلامية، مدعومة من المجلس العسكرى، نتائج الاستفتاء.

كلا الطرفين لأسباب متباينة اعتبر النتائج استفتاء على شرعيته ــ وكان ذلك مقدمة لما تعرضا له من تقويض بصورتين مختلفتين.
لا شرعية دستورية تتأسس على فرض وإقصاء.

وهكذا كان الأمر فى الاستفتاء على دستور (٢٠١٢)، الذى انفردت بوضعه جماعة «الإخوان» وحازت نحو (٦٤٪) فى صناديق الاقتراع، غير أن الاستقطاب الحاد أفضى بالنهاية إلى صدام مروع وخروج بالكامل من مسارح السياسة.

بحكم الوقائع لم يحدث مرة واحدة أن صوت المصريون بـ«لا» فى أى استفتاء جرى.

وبحكم النتائح فقد كانت وخيمة بكل مرة والأثمان باهظة.

القضية ليست أن يمر أو لا يمر الاستفتاء بقدر مدى شرعية التعديلات والنتائج التى سوف تلحقها.

وفق المادة (٢٢٦) من الدستور الحالى لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية والحريات والحقوق إلا بمزيد من الضمانات.

من ناحية إجرائية إلغاء المادة المحصنة ممكن لكن فى استفتاء أول يعقبه استفتاء آخر على المواد المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية وإلا تعرضت التعديلات ــ بغض النظر عن نتائج الاستفتاء ــ للطعن الدستورى.

هكذا يؤكد فقهاء دستوريون.

هناك من يقول ــ تسويغا للانقلاب الدستورى ــ إن مصر لا تحتمل إجراء انتخابات رئاسية كل أربع سنوات، فهل تحتمل إلغاء الانتخابات الرئاسية والتشكيك فى شرعية الحكم؟

ثم هل تحتمل استفتاءين بدلا من استحقاق رئاسى واحد يحترم الدستور والنصوص التى انتخب الرئيس على أساسها؟

بقوة الأمر السارى الرئيس صلاحياته شبه مطلقة والبرلمان تهيمن عليه تقريبا السلطة التنفيذية وائتلاف «دعم مصر»، الذى يشكل أغلبيته، يتبع ما يصدر إليه من توجيهات كزهرة عباد شمس.

ما معنى الكلام الكثير إذن عن القيود الدستورية على صلاحيات الرئيس إذا كان المجلس النيابى لم يشهد استجوابا واحدا لأى وزير ولا اضطلع بواجبه فى مسائل حساسة مثل ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية من دراسة واستبيان؟

هناك ضيق صريح بأمرين متلازمين ــ ثورة «يناير» والدستور، رغم أن الأولى جذر الشرعية والثانى قاعدتها الصلبة.

الأكثر إثارة في القصة كلها أن أغلب الذين عارضوا دستور (٢٠١٤) عند صياغته وإقراره الأكثر حماسا له الآن وبعض الذين دعوا للرقص والغناء أمام لجان الاستفتاء الأشد هجوما عليه

بنداء «يناير» استوعب الأولون أهمية الدستور كقضية محورية لا غنى عنها فى أى مستقبل.

وبكراهية «يناير» قرر الآخرون أن يكون الانتقام كاملا بمحو النصوص الدستورية التى تنتسب لأهدافها فى التحول إلى دولة حديثة ــ حرة وعادلة.

هذا صلب الأزمة الدستورية التى تطرق الأبواب وجوهر الصراع على المستقبل.

Scroll To Top