الثلاثاء , 24 أكتوبر 2017
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » الشراكة الوطنية بقلم| جورج اسحاق

الشراكة الوطنية بقلم| جورج اسحاق

عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، جورج إسحاق

عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، جورج إسحاق

الشراكة الوطنية فكرة موجودة فى العالم أجمع، ومنذ قيام ثورة 25 يناير كان من ضمن مطالبها الأساسية الشراكة الوطنية؛ لأن الشراكة مسئولية أخلاقية لكل المواطنين، ويؤكد ذلك أن مبادئ حقوق الإنسان لا غنى عنها فى الحكم الديمقراطى، ومن قواعدها المساواة والشراكة، فالمواطنة علاقة قابلة للمساءلة بين الدولة والأفراد، وبذلك يكون المواطنون قادرين على محاسبة الدولة وهذا ما يطلق عليه المشاركة النشطة فى أحوال البلاد السياسية والاقتصادية. فالاقصاء يؤدى إلى تدنى جودة المواطنة؛ لأن من المفهوم ــ حسب المواثيق الدولية ــ أن المجتمع المدنى من ضمن مكوناته الروابط الرسمية والجماعات والحركات غير الرسمية ولذلك يجب أن تكون هناك حرية إنشاء الروابط والمنظمات تطبيقًا للمادة 19 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان والخاصة بحرية التعبير.
فلا تقتصر أشكال التجمعات والتنظيمات المتعارف عليها دوليا على ما يقره الدستور المصرى فقط كما فى المواد 74 و 75 و 76 و 77 الخاصة بحرية التنظيم التى تنص فقط على حرية إنشاء النقابات والاتحادات والأحزاب السياسية والجمعيات والمؤسسات الأهلية. فنجد أن الدستور المصرى يحصر الحق فى التنظيم والتجمعات فى ثلاثة أشكال لا رابع لهم وهى الأحزاب و«النقابات والاتحادات» والجمعيات والمؤسسات الأهلية، وكل ما هو خارج ذلك يعد خروجا عن القانون. بالرغم من أن المواثيق والعهود الدولية التى وقعت عليها مصر تفتح حرية التنظيم لتشمل ما هو أوسع من ذلك ولا تحددها بمسميات بعينها.
فنجد أن المادة 93 من الدستور المصرى تنص على أن: «تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التى تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا للأوضاع المقررة»، وبالتالى تصبح الاتفاقيات والمواثيق الدولية جزءًا من التشريع الداخلى.
على ضوء ذلك فقد نصت المادة 21 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية على أنه يجب الاعتراف بالحق فى التجمع السلمى. والمادة 22 من العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية على أن «لكل فرد حق فى حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما فى ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه».
كما نصت المادة 20 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على «لكل شخص حق فى حرية الاشتراك فى الاجتماعات والجمعيات السلمية، ولا يجوز إرغام أحد على الانتماء إلى جمعية ما».
***
بجانب ذلك هناك ما هو متعارف عليه دوليا ويسمى بجماعات الضغط فهى مشروعة وقانونية فى أمريكا والغرب وتتفاوت قوتها وتأثيرها من دولة إلى أخرى ولكنها فاعلة فى التأثير على صانع القرار سواء كان سلطة تشريعية أو سلطة تنفيذية. ويعرف «وبستر» جماعة الضغط بأنها جماعة تحاول التأثير على هيئة تشريعية أو تحاول أن تكسب التأييد لمشروع قانون. وإذا كان المجتمع المدنى يملأ الفراغ بين السلطة والمواطن فإن جماعات الضغط إحدى الآليات الرئيسية فى نقل هذا الطلب فعليا إلى السلطة. وتكسب جماعات الضغط مشروعيتها من تعريفها بأنها إحدى الوسائل السلمية لنقل مطالب المواطنين إلى السلطة وإعداد الدراسات بمهارة أعلى فى مواضيع محددة، وأنها آلية لملء الفراغ فى الفترات ما بين الانتخابات، فهى ليست كالأحزاب السياسية تسعى للحكم وإنما للتأثير عليه بدون تحمل مسئولية الوظيفة العامة.
لكن هذا الشكل من الجماعات أو التجمعات فى مصر يعتبر ضد القانون وغير مشروع، ورغم ذلك ظهرت حركة «كفاية» والتى هى فى شكلها ومضمونها تعد جماعة ضغط بالنسبة للقانون والدستور المصرى وما ينطبق عليها ينطبق على حركة 6 أبريل وأى حركات أو مبادرات سياسية أو اجتماعية أخرى لا تحمل تشكيلا حزبيا أو نقابيا أو مؤسسيا.
ما معنى توقيع مصر على اتفاقيات ومواثيق دولية ما لم تخلق التزامات داخلية باحترامها؟ هناك الكثير من جماعات الضغط داخل مصر بأشكال مختلفة والتى تعمل على قضايا محلية وأحيانا دولية. والتى تسعى للتأثير على السلطة سلميا بدون السعى إلى هذه السلطة.
إن دور هذه الحركات والمبادرات هو دور مهم جدا لا يقل عن دور مؤسسات الدولة ومجلس الشعب، فالديمقراطية الحقيقة تعنى الشراكة الوطنية السلمية الشاملة فى الحكم سواء كانت بطريقة مباشرة من خلال الانتخابات أو غير مباشرة من خلال تجمعات تسعى إلى تكوين رأى عام حقيقى وأن يصل رأيها وعملها لصناع القرار فى مصر وأن يفتح معها حوارًا مجتمعيًا حقيقيًا هدفه المشاركة لا الإقصاء.
فغلق المجال العام والاقتصار على مجلس النواب وتجاهل الشراكة الوطنية الحقيقية المتمثلة فى كل المبادرات والتجمعات سواء كانت من نخب سياسية أو قيادات حزبية ومجتمعية ينذر بخطر ذريع وهذه كانت المقدمة لثورة يناير التى انطلقت شراراتها بعد انتخابات 2010 حيث كانت مجرد انتخابات صورية أدارها رجل واحد للنظام وتجاهل كل معايير الديمقراطية الحقيقة.
تشويه كل ما هو مخالف للنظام واتهامه بالعمالة والخيانة لمجرد أن له رأيا مخالفا أصبحت الآن بمثابة الأساليب والأدوات الصبيانية التافهة التى يلجأ لها كل ما هو منعدم المنطق وفاقد للرؤية والبصيرة، فهذه الأفعال لا تهدف للصالح العام ولكن تهدف فقط لسياسة الكيد التى تضر كل الأطراف ولا تأتى بالصالح على أحد.
***
إن الطريق لخروج مصر من أزمتها والمباعدة بينها وبين خطر انهيار الدولة والفوضى مرتبطة بنخب سياسية وشباب واعد مر بتجارب كثيرة وتعلَّم منها وأصبح أنضج مما قبل وقادرا على إدارة الشأن العام على نحو يؤسس لقواعد دستورية وقانونية عادلة. ولن تنجح النخب السياسة، حكما ومعارضة، فى إخراج مصر من أزمتها دون اعتماد لمبدأ الشراكة الوطنية والبحث الحقيقى عن توافقات جادة وإشراك حقيقى وشفافية وحرية تداول المعلومات. فإذا توافقنا على هذا الأمر فسوف نخرج من عنق الزجاجة، فمن اللامنطقى أنه كلما ظهرت حركات خارج الشكل النمطى نعتبرها خارجة عن السياق العام لأن الحس الشعبى أصبح أكثر تأثيرا من كل المؤسسات الرئاسية وأكثر حساسية وإحساسا بما يحدث لهم فى ممارسة حياتهم اليومية، وللأستاذ المرحوم السيد ياسين باع طويل فى شرح فكرة الشراكة الوطنية فيجب أن يذكر فضله فى هذا المجال.
افتحوا المجال السياسى؛ لأن هذا الانسداد سيؤدى إلى عواقب وخيمة وحذرنا منه أكثر من مرة من قبل.

Scroll To Top