الإثنين , 18 ديسمبر 2017
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » من أفواه الصغار..بقلم | درية شرف الدين

من أفواه الصغار..بقلم | درية شرف الدين

981

توقفت كثيرًا عند ما حدث فى دار إشراقة للأيتام، شاهدته من زاوية أخرى، دلّنى عليها أطفاله الصغار، قالوا كلاما يقطر براءة وسماحة وقدرة على العفو ورغبة فى التطلع إلى المستقبل رغم سنوات وأيام العذاب. أحدهم وهو فى العاشرة من عمره يقول: أنا فرحان دلوقت بالدار وإن شاء الله حابقى دكتور وشاطر فى المدرسة، ويتابع: الحمد لله الدكاترة كشفوا عليّه وقالوا انت كويس.

يقول ذلك ويده دامية متورمة- من جرّاء التعذيب- ويضيف: المهم الضرب خلاص انتهى، دلوقت ما حدش حيشتمنى بأبويا وأمى اللى مش عارفهم. تصوروا حكمة ما يقول هذا الطفل الصغير، الذى يصمم على نسيان الماضى الأليم والتطلع إلى المستقبل، درس للكبار قبل الصغار ودرس للدولة التى ما زالت تجر قضايا الماضى البعيد والقريب حتى صارت ثقلاً يعوق التفكير فى المستقبل.

طفل ثانٍ يقول: باحلم أكون ضابط شرطة وأقبض على الناس اللى بتضرب العيال الصغيرة، يحلم بالقادم وحاضره يؤكد أنه ضُرب بالعصا بعد تقييده فى السرير وبجسمه إصابات فادحة لكنه يصمم الآن على النظر إلى حياته القادمة ويفرح كطفل بالحلويات والهدوم الجديدة والفلوس التى جاءت إليه، ثم يصمم على ألاّ تفوت منه الفرصة قبل أن يُدلى إلينا بالحكمة أيضا فيقول: إخواتى هنا اتعودت عليهم ولو طلعت برّة حاكون لوحدى وأتمنى أن أظل بالدار على طول.

الرابع يندم على اعتداءه بالضرب على أصحابه، يبكى ويردد: بقوا بيخافوا منى، أنا باحبهم قوى والدكاتره بيعالجونى وبيصالحونى دلوقت عليهم وعرفونى إنى كنت بعمل حاجة غلط، يعترف صاحب الثمانية أعوام فقط بخطئه تجاه إخوته فى الدار، يحبهم لكنه كان يخاف عليهم وعلى نفسه من أسلوب العقاب الجماعى إذا ما اقترف أحدهم خطأ، كان يريد أن يحميهم من ضرب أكثر قسوة وتعذيب أكثر إجراما من مدير الدار وزبانيته الذين افتقدوا الإنسانية والرحمة فى ظل غياب الرقابة من الجهات المعنية بتلك الدور البائسة.

أطفال صغار أيتام لا أب ولا أم ولا أهل ولا بيت ولا طعام، يعيشون مع الجوع والضرب والإهانة والظلام ليلاً ويتكدسون ستة عشر فى حجرتين ثم تأتى النجاة من حارس الدار الذى يذهب ليلاً لحراستها، إنسان حقيقى صمم وحده على المواجهة، كان يجلب الأطفال إلى حجرته ويقوم بتصويرهم بكاميرا موبايله ووثق بالصوت والصورة وقائع تعذيبهم واتصل بكثيرين يطلب وقف تلك المأساة ووصلت الشكاوى إلى مكتب بوزارة التضامن الاجتماعى وجمّدها الموظف الذى استلمها مشاركا فى نفس الجريمة مما يستدعى مساءلته من الوزارة، وقد سلمّ (شريف عبدالله) الحارس الإنسان ما لديه من صور وفيديوهات للنيابة.

تحية له، وتحية للمتابعة الممتازة للصحفى محمد القماش التى نشرها بـ«المصرى اليوم» يوم الأحد الماضى وقدم خلالها تلك الصورة من الألم والأمل من أفواه هؤلاء الصغار.

Scroll To Top