الثلاثاء , 13 نوفمبر 2018
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » حزب الدولة الجديد بقلم | عبد الله السناوي

حزب الدولة الجديد بقلم | عبد الله السناوي

 عبد الله السناوي

عبد الله السناوي

اختيار الاسم نفسه أزمة تفصح عن فراغ سياسى شبه كامل.
عندما تغيب الهويات السياسية يجرى البحث فى مطلق المسميات من «دعم الدولة» إلى «دعم مصر».
الاختيار الأول أكثر مباشرة فى إعلان طبيعة ائتلاف الأغلبية البرلمانية، فهو يؤيد ما تتبناه السلطة التنفيذية من سياسات وقوانين دون أن تكون هناك أية برامج مشتركة تستدعى أى نوع من الدعم.
الاختيار الأخير أكثر تحليقا فى الفراغ السياسى، فهو لا يعنى شيئا تقريبا لكنه يتماهى تماما فى الدولة ويلخص مصر فى سلطتها التنفيذية.
من طبيعة الأحزاب أن تتنافس على اكتساب ثقة أغلبية واضحة فى الرأى العام دون أن يعنى ذلك أن إحداها «تدعم مصر» والأخرى تناهضها.
هذه قواعد ديمقراطية مستقرة فى العالم كله.
غياب أية أفكار وتصورات أزمة أخرى فى بنية ائتلاف الأغلبية البرلمانية يعيد إنتاج «الحزب الوطنى» بصورة مشوهة.
حضرت اللوائح التى تضبط السلوك السياسى لمنتسبيه وغابت البرامج التى تضفى على أية مواقف تماسكها.
فى ضبط اللوائح مشروع حزب سلطة جديد وفى غياب البرامج مشروع تصدع محتمل.
بصراحة كاملة يصعب بناء حزب سلطة جديد بلا كلفة سياسية باهظة.
الفكرة نفسها تراجع فادح عن مشروع بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة وهو جوهر ما تطلع إليه المصريون فى ثورة «يناير».
فى التراجع تناقض مع الدستور وضرب فى جذر الشرعية وتصادم مع الفكرة الديمقراطية.
إنتاج الماضى لا يصلح لحكم المستقبل وكل ما هو مصطنع غير قابل للحياة.
هناك فارق جوهرى بين تأسيس الائتلافات البرلمانية وفق رؤى وأفكار وبرامج مشتركة وبين اصطناع أغلبية كبيرة بلا أى قاعدة توافق معروفة.
الأول من طبيعة العمل السياسى والثانى من أساليب أجهزة الدولة.
جربت مصر تلك الأساليب على مدى عقود طويلة وقد انتهت جميعها إلى فشل ذريع.
لم يستطع الحزب الوطنى الذى قاربت عضويته (٢‪.‬٨) مليون الصمود لخمس دقائق فى «يناير».
انهار فى اللحظة التى تصدعت فيها أجهزة الدولة، فحياته من حياتها ووجوده مرتهن بها.
كان الانهيار تعبيرا عن هشاشة الحياة السياسية وسد قنوات الحوار العام التى تستجيب لمطالب التغيير.
لم تكن هناك حياة حزبية جدية فى مصر.
هذه حقيقة يصعب دحضها.
اخترقت الأحزاب وضربت من داخلها وحوصرت فى مقارها.
جاء التغيير من خارج السياق لا من داخله.
تستطيع أن تبنى بيوتا من رمل لكن أول موجة قوية تجتاح ما بنيت.
أخطر ما قد يحدث أن تنتقل التفاعلات من تحت قبة البرلمان إلى خارجه.
التفكير فى خوض الانتخابات المحلية المقبلة بمرشحين يختارهم الائتلاف إعلان صريح عن حزب دولة جديد يسعى لمصادرة المجال العام وأية انتخابات مقبلة.
مصادرة الحياة السياسية تؤشر إلى ارتفاع منسوب العنف واحتمال عودة جماعة الإخوان المسلمين.
بقدر حيوية الحياة العامة تتأكد التوافقات وتتأسس الدول على أرض صلبة.
تجفيف المجال العام يصب فى صالح المجهود الحربى للإرهاب.
إنكار الحقائق أسوأ ما يمكن اتباعه، كأننا لم نتعلم شيئا من التاريخ.
على مدى عقود متعاقبة خضعت الحياة الحزبية لقيود صارمة فرضت على أسقف تطلعها لتأسيس نفوذ حقيقى فى الشارع.
كانت صيغة «التعددية المقيدة» تعطيلا نهائيا لأية فرص لتداول السلطة.
عندما تقوضت صدقية الأحزاب تصدعت مقومات النظام السياسى كله.
إضعاف الأحزاب الآن بأكثر مما هى عليه من ضعف مشروع إنتاج للآلية نفسها بأسماء جديدة.
هناك تدخل بأكثر مما هو معتاد للأمن فى صياغة الصورة السياسية الجديدة.
فى كل العهود كان للأمن دوره فى المساندة والمؤازرة لأحزاب الدولة غير أنه لم يتصدر المشهد أبدا على النحو الذى يحدث حاليا.
هذا تطور مدمر يؤذى الأمن قبل غيره.
الأمن يحتاج إلى ظهير سياسى حقيقى فى الحرب الضارية مع الإرهاب لا اصطناع ائتلافات ليس بوسعها أن تثبت فى مكانها دون دعم من أجهزة الدولة.
أكثر الأسئلة جدية: من يدعم من؟
وفى كل العهود كان هناك دور للمال السياسى، غير أنه لم يتوحش بالصورة التى رأيناها من شراء للناخبين أمام لجان الاقتراع وقبلهم مرشحون وفق دراسات جدوى لباحثين ومراكز استطلاع رأى استقصت الفرص المتاحة.
لا يستطيع أحد الادعاء أنه كانت هناك أحزابا حقيقية تتنافس وفق أية قواعد حديثة أو معايير معروفة فى الانتخابات النيابية المصرية.
الأحزاب البرلمانية تبدأ الآن أقسى اختباراتها المبكرة.
إلى أى حد تستطيع أن تحفظ تماسكها الداخلى أمام حزب الدولة الجديد؟
لمن الولاء بالضبط؟
للافتة الحزبية أم لسطوة الدولة؟
التشققات والملاسنات من نتائج اللعبة الجديدة التى نرى بالكاد أول خيوطها.
باستثناءات يصعب التعويل عليها فأغلب نواب الأحزاب أقرب إلى تجمعات المصالح المؤقتة.
ما قبل البرلمان يختلف عن ما بعده وقياس المصالح فوق أى قياس آخر.
الهرولة إلى حزب السلطة، أيا ما كانت هذه السلطة، لعبة قديمة ومجربة.
ورغم أن أحزاب السلطة فشلت دائما إلا أن وهج المصالح والنفوذ لم تخفت جاذبيته.
لم تكن مصادفة أن تكون أغلبية المكتب التنفيذى لحزب الدولة الجديد للنواب المستقلين لا لرؤساء الهيئات الحزبية المشاركة فيه.
الانتخابات النيابية نفسها هندست لتهميش الأحزاب، فبرلمان يسيطر على أغلبيته نواب العائلات والعصبيات والخدمات والمال السياسى هم نواب كل سلطة ونظام.
قد تفضى التداعيات إلى تحول الائتلاف من حزب عرفى إلى حزب رسمى.
فى الكلام عن قيادة تنفيذية موحدة والتزامات تنظيمية منضبطة وأدوار خارج البرلمان إشارات إلى مثل هذا الاحتمال.
وقد يتصدع بأسرع من أى توقع تحت ضغط أية أزمات مفاجئة فلا توجد عناصر تماسك يعتد بها سوى قوة أجهزة الدولة.
قد يلجأ بعض أطرافه إلى استعراضات قوة عابرة على الحكومة لكنها سوف تضبط فى النهاية بتعليمات من أعلى حيث مايسترو غامض.
عند نهاية خريطة المستقبل لا يوجد ما يدعو إلى الثقة بأن مؤسسات الدولة توشك أن تقف على أرض صلبة ولا فى قدرة البرلمان الجديد على أداء مهامه الدستورية أو احترام الدستور نفسه الذى كان الخطوة الأولى فى تلك الخريطة.
هذه مأساة كاملة لبلد دفع أثمانا باهظة حتى لا يرى حزب دولة جديد.

Scroll To Top