الثلاثاء , 18 سبتمبر 2018
آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » المشير.. والمصلحة العليا للبلاد

المشير.. والمصلحة العليا للبلاد

رائحة العفن السياسي في مصر وصلت إلى مدينة الضباب.. في محطة المترو سمعت حواراً بين شابين إنجليزيين، يتندران فيه بأداء “برلمان المصريين”، أحدهما قال للآخر ساخراً: إذا نطق أحد الليبراليين، قال له الإسلاميون: شششششش! وفي عيادة الطبيب، سألتني الممرضة كما لو كانت تقرّ واقعاً: لماذا فشلت ثورتكم؟!.. أما نادل المقهي ثقيل الدم، فسألني متهكماً: كيف وجدتم حذاء الأمريكيين وأنتم راكعون؟ هكذا أعايش خلال وجودي في لندن هذه المرة شعوراً معاكساً تماماً، عن ذلك الذي شعرت به صباح يوم 28 يناير من العام الماضي، وأنا في مصلحة حكومية، ترك موظفوها أعمالهم، وانخرطوا في مشاهدة نشرة الأخبار التي تمجد في بسالة الثوار المصريين.. يومها تسابق الموظفون لتحيتي وإنهاء مصلحتي، حين علموا أنني مصري!

رفعت الثورة رأس مصر عالياً، ونكسها وأذلها المجلس العسكري.. ليس لدى الشباب الثائر وهو يضحي بحياته أي مصلحة في سلطة أو ثروة أو مقعد في البرلمان.. بينما يدعي الفلول، المنتفعون، ورثة الفساد، أنهم يعملون لصالح الوطن!! يضحك علينا المشير، ويقول: القوات المسلحة تضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار!! يقولها لمعاونيه قبل أيام في المنطقة العسكرية المركزية، ثم يشتكي سراً لأحد مستشاريه بسبب الشباب الذين يتناوبون الوقوف أمام منزله، رافعين لافتات تشتمه بالأم!! يعلق المستشار بعد أن أفشى لي السر بصوت خافت: آدي شباب الثورة!!…. شباب الثورة هم فقط من يشتمون بالأم.. لكن من يعتصمون سلمياً في ميدان التحرير، أو أمام البرلمان أو الداخلية أو مجلس الوزراء، هم بلطجية، ويستحقون الخرطوش في أعينهم، والرصاص الحي في صدورهم، والتبول فوق رؤوسهم..

لو كنت ناسي ما جرى يا سيادة المشير، هات الدفاتر تنقرا.. هل المصلحة العليا للبلاد كانت في فض اعتصام ميدان التحرير بالهراوات والعصي الكهربية، بعد أسبوعين فقط من تنحية المخلوع؟ وقتها اعتذرت للشعب المصري، مدعياً أن رصيدك لديه يسمح بذلك!! لكن ذيل المجلس عمره ما يتعدل.. ما هي إلا أيام، حتى كافأت الشعب على قبوله الاعتذار بمعاودة الكَرّة، ولكن مع إضافة مبتكرة جديدة، وهي تطبيق “كشوف العذرية” على الفتيات المعتقلات من ميدان التحرير.. وبعد شهر قتلت شرطتك العسكرية اثنين من المتظاهرين، وهما يطالبان باسترداد الأموال المنهوبة وتطهير المؤسسات الإعلامية.. إذ كيف يجرؤ أحد على المطالبة بتجريد الفاسدين من ثرواتهم التي سرقوها من الشعب طيلة عقود؟ وكيف لمؤسساتكم الإعلامية أن تتطهر، وهي التي استمرأت النجاسة واعتادت عليها؟

ثم تم تدبير حادث مسرح البالون يوم 28 يونيو على يد بلطجية أمن الدولة والحزب الوطني، بشومهم وعصيّهم، وأسلحتهم البيضاء والنارية.. وتحوّل تكريم أسر الشهداء إلى مذبحة، جرى التستر على تحقيقاتها.. نفس فريق

البلطجية المحترفين، تم تحريضه على مسيرة شباب الثورة إلى مقر وزارة الدفاع يوم 23 يوليو للمطالبة باستكمال مطالب الثورة، والقصاص للشهداء.. لتتحول المسيرة هي الأخرى إلى مجزرة، يسقط فيها شهيد على الأقل وعدد كبير من المصابين..

وعندما قتلت إسرائيل خمسة من جنودكم على الحدود، لم تتحركوا.. ولم تنطقوا بكلمة توبيخ أو عتاب.. بل سمحتم لنائب السفير المصري في إسرائيل بقبول دعوة على الإفطار في منزل الرئيس الإسرائيلى شيمون بيريز، والتقاط الصور معه، وتحدي مشاعر الآباء والأمهات الذين فقدوا أبناءهم في هذا الحادث.. لكن الشباب المصري الحر لم يهنأ له بال، حتى توجه للسفارة الإسرائيلية، وحطم أبوابها، فلم تكتفوا فقط بتهريب موظفي السفارة من المبنى، وتوصيلهم لأبواب بيوتهم في إسرائيل، بل قتلتم ثلاثة من الثوار الغاضبين أمام السفارة، وأسقطتم منهم أكثر من ألف جريح..

ثم ضاعفتم جرعة التنكيل في شهر أكتوبر، فدهست مدرعاتكم 28 شاباً أمام ماسبيرو، واستعديتم المواطنين المسلمين على إخوانهم المسيحيين في إعلامكم الرسمي.. واستكملتم هذه المذابح في شهر نوفمبر، حيث قتلت قوات الأمن، والشرطة العسكرية، والبلطجية المأجورون، 46 من المعتصمين في شارع محمد محمود ومحيط وزارة الداخلية.. وعندما تحديتم المصريين، وأتيتم لهم بالجنزوري من أعماق بئر العهد الفاسد، لم ترحموا الرافضين للقرار، بل قتلتم منهم 17 شاباً طاهراً مخلصاً للوطن أمام مقر الحكومة.. بعدها سمح نظامكم الفاسد باغتيال المئات في استاد بورسعيد، ثم بقتل وإصابة العشرات من المحتجين على هذا الحادث أمام وزارة الداخلية.. حينئذ خرجت علينا يا سيادة المشير، تقول: إن هذا أمر يحدث في كل دول العالم!!

وأخيراً افتعل المجلس العسكري أزمة المنظمات الأجنبية، فأطلق عليها خادمته المطيعة فايزة أبو النجا، وسرعان ما اكتمل الملف بأدلة شديدة السذاجة، وتلا الجنزوري دوره في المسرحية الهزلية، قائلاً: لن نركع! فعلق الدكتور وحيد عبد المجيد: لو عطلت الولايات المتحدة معونتها العسكرية لمصر بسبب هذه القضية، فسوف يعني ذلك تجميد اتفاقية السلام تلقائياً! هذا إذن ما أردتموه بالتحديد، كي تبرروا بقاءكم في السلطة، بحجة حماية الأمن القومي في حال تجميد الاتفاقية! لكن ما هي إلا كلمة واحدة سمعتموها من أسيادكم، حتى واربتم الباب خلسة للمتهمين الأمريكيين كي يفروا من البلاد في طائرة عسكرية أمريكية.. وسحقاً لكرامة الشعب، وطظ في استقلال القضاء، وليذهب اللي مش عاجبه إلى الجحيم!

هذه هي المصلحة العليا للبلاد التي تضعها القوات المسلحة فوق كل اعتبار.. يسمح المشير لمدرعاته بدهس وقتل وفقأ عيون المتظاهرين، دون ضبط الجناة ومحاكمتهم.. بل يحاكم أبطال الثورة، وأكثر من عشرة آلاف مواطن مدني أمام المحاكم العسكرية، ويهين سمعة مصر، ويحنى قامتها أمام العالم، ويجعلني أسمع عبارات هازئة عن ثورتي وأنا في الغربة.. ثم يدعي أنه يضع المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار!

(فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور)..

Scroll To Top