آخر الأخبار
الرئيسية » مقالات وأراء » شاردة واردة

شاردة واردة

كنت محتجبا لشهور طويلة عن الكتابة لسببين ارى كلاهما اكثر اهمية من الآخر , فالاول انني لا ارى في الكتابة هدفا بل وسيلة لعرض وجهة نظر و طرح جديد او ربما حل لاشكالية و هو ما يستلزم الاقتراب عن كثب من الحياة العامة المصرية بأوجهها المختلفة و قراءة قدر وافر مما تصل اليه يداي حتى اتمكن من كتابة ما قد يراه البعض مقيدا اما الثاني فهو ابتعادي قدر الامكان عن صخب الحديث اليومي الذي لا يعدو ” دوشة الموضة” او مناقشات برج بابل في ازمنة غابرة.

و مما اثار حفيظتي لاخرج عن صمتي هو علو اصوات الكثيرين حول قطع المعونة الامريكية عن مصر و الذي ارتبط فيما اسمته الصحافة بقضية التمويل الاجنبي حيث لم اجد متحدثا واحدا لديه طرح عملي لتعويض المعونة ان قطعت بعيدا عن حملات التسول و الاستجداء كما لم اجد من يؤرخ لهذه العطية الامريكية بعيدا الحب و الكراهية و استخدام الابواق الثورية ان صح القول و هو ما نحاول ان نجتهد فيه هنا للوقوف على طبيعة العلاقة الامريكية المصرية التى رأها السادات استراتيجية و التي يراها الكاتب مجردة من كل سبل التعاون بل مجرد تبعية من طرف واحد، فمن ابرزنتائج زيارة نيكسون لمصر تقدم الولايات المتحدة منذ 1975 معونة عسكرية حوالى 1.3 بليون دولار بالاضاقة الى 815 مليون اخرى معونة اقتصادية تتناقص تدريجيا منذ 1999 حتى وصلت الى 415 مليون و بلغ اجمالي ما قدم  حتى 2007 حوالي 50 بليون دولار و هنا يجدر الذكر بأن هذه الاموال لا تقدم من بابا الحفاظ على تقوية مصر عسكريا او دعم اقتصادها فالاطار التشريعي لها بشقيها ” خدمة الامن القومي الامريكي”  اما الهدف الكلي فهو خلق اعتمادية مصرية حقيقية على هذه المعونة اما غرضها بالنسبة لمنظور البلدين فهو دعم استقرار مصر اي استقرار نظام الحكم الذي تعتمد عليه واشنطن لتحقيق اغراضها في المنطقة و على رأسها ضمان امن اسرائيل و رخائها مع ضمان التفوق العسكري الاسرائيلي  فحسب الاتقاقية التنفيذية لتلك المعونة العسكرية يقضي بأن تتقدم مصر بقائمة مشتروات على حساب المعونة فتحيل الحكومة الامريكية الطلب الى الكونجرس الذي يطلب بدوره احالة الطلب الى اسرائيل لمعرفة رايها ثم يعود الطلب مرة اخرة للكونجرس الذي عادة ما يحذف منه ما يزعج اسرائيل و على القارئ ان يعلم اسرائيل تحصل على معونتها كاملة في شكل نقدي تتصرف فيه اسرائيل كيفما ترى و كان هذا الفارق واضحا مع او قائمة مشتريات تتقدم بها مصر والتي احتوت على F16 فرفض الطلب و تم استبدالها ب F4 ثم توالى الرفض و التعديل حتى بعد معاهدة السلام المصرية و التي طلب فيها السادات ان تقدم اميركا ضمانا لامن مصر حتى اتى الرد الاميركي على طلب مصر لاسلحة استراتيجية ” لماذا تريدونها ! السنا نضمن امنكم “

نجد هنا ان السادات اليائس المتعجل قد تصور ان يقيم علاقة استراتيجية ثنائية الا انه سرعان ما اكتشف ما ورطه فيه كارتر و مناحم بيجن من علاقة ثلاثية تتحكم فيها اسرائيل وان كل ما يدور في المجال العسكري بين القاهرة و اشنطن يجب ان يحظى بالرضا الاسرائيلي او عدم اعتراضها كحد ادنى و من ناحية اخرى نجد رواية الدكتور يوسف بطرس غالي- و الذي كان وزير الدولة للشؤون الخارجية انذاك للصحفيين  مكرم محمد احمد و محمد حقي خلال جلسة جمعتهم بفندق ماديسون بواشنطن- بان اميركا قد وقعت اتفاقيتين متطابقتين و لكن منفصلتين مع كل من مصر و اسرائيل تتعهد فيا بمد يد العون في المجالات السلمية للطاقة الذرية و كانت مصر تخطط لانشاء 20 محطة تخدم عذا الغرض و تم طرح العرض على الشركات الامريكية لتفوز به جنرال اليكتريك الا انها طلبت خطاب ضمان من بنك اميركي فتقدمت مصر لبنك الاستيراد و التصدير الامريكي ربطا بالمعونة  قكان رد البنك ان الاتفاقية التي تسمح بتصدير هذه التكنولجيا غير قابلة للتنفيذ فلما استطلعت الخارجية المصرية الامر تبين ان الاتقاقيتين عندما ارسلتا للكونجرس اشترط ان بان لا تنفذ ايهما الا بعد ان يصدق برلمانا البلدين كل على الاتفاقية التي تخصه فصدق البرلمان المصري بينما بم تعرض الاتفاقية على الكنيست من الاساس و لما حاولت القاهرة ان تقنع واشنطن بازالة هذا الربط تلكتت الاخيرة بصعوبات التعامل مع الكونجرس.

و هكذا يجد قارئ المقال امامه من الاسباب و الوقائع التي تعطي منطقية للخضوع امام السياسة الامريكية و التبعية غير المباشرة لاسرائيل بتكريس من السادات و تأكيد سياسة السمسرة و الرشوة من مبارك و نظامه و السؤال هنا هل لدى النظام القائم ” المجلس العسكري ” او خلفه في المؤسسة البرلمانية و الرئاسية اي نية و طرح عملي لاعادة رسم شكل هذه العلاقة الثلاثية او الثنائية في ابعد الاحتمالات ؟

Scroll To Top